البنك الفيدرالي الأميركي ومستقبل الفائدة على الدولار

في عام 2008 شهد الاقتصاد العالمي ازمة حادة بسبب ديون الرهن العقاري، فعملت بعض البنوك المركزية بتخفيض سعر و قيمة الفائدة لتقدر التصدي للازمة، فانخفضت الفائدة إلى اقل سعر ومستوى حيث قاربت من الصفر لجذب الإقراض لتحويل السيولة إلى الاقتصاد الحقيقي ومنع تراكمها في البنوك .

وبعد سنوات من خفض الفائدة الى اقل مستوى، لم تنجح البنوك المركزية في منع تباطؤ الاقتصاد ولم تدفع معدلات التضخم، واصبح الاقتصاد بحاجة إلى مزيد من محفزات النمو.

خفضت البنوك المركزية سعر الفائدة إلى ما دون الصفر 0.0% (بالسالب)، ومن البنوك المركزية التي لجأت إلى الفائدة السلبية كل من المركزي السويدي، والأوروبي، والياباني، والسويسري، ولجأت البنوك إلى هذا الإجراء لتضغط على البنوك والمؤسسات المالية لمنعها من الاحتفاظ بالسيولة النقدية بما يفوق متطلبات الاحتياطي، وإقراض الشركات وقطاع الأعمال والمستهلكين.

عندما ترتفع المخاطر تحجم البنوك أو تخفّض الإقراض، وتفضّل أن تُبْقي نقدها السائل بعيداً عن مخاطر الأزمات والتعثر. تتسبب هذه الحالة من عدم اليقين في نقص السيولة وارتفاع تكلفة الإقراض.

في يونيو (حزيران) 2014، أعلن البنك المركزي الأوروبي خفض سعر الفائدة على الودائع إلى -%0.10. وفي يناير (كانون الثاني) 2016 خفّض المركزي الياباني الفائدة إلى ما دون الصفر (%0.0)، وللمرة الأولى تعرفت الأسواق إلى الفائدة السلبية.

ترمب يضغط على الفيدرالي نحو الفائدة السلبية

يبدو أن الرئيس ترمب يبحث عن زيادة تنافسية الصادرات الأميركية ويحتاج إلى دولار ضعيف يساعده في ذلك، عبر محاولاته لدفع سعر الفائدة إلى ما دون مستوى الـ0.0% لخفض الطلب على الدولار. وظل يمارس ضغوطاً هائلة وغير مسبوقة على الفيدرالي الأميركي ورئيسه.

وتتسبب الفائدة السلبية في زيادة تكلفة الواردات، وهذا سيدفع التضخم للارتفاع. وفي تغريدة جديدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، غرّد الرئيس الأميركي يوم الاثنين، قائلا ”أنهيت اجتماعاً بالبيت الأبيض مع جيروم باول، رئيس الفيدرالي، وناقشنا كل شيء، سعر الفائدة، والفائدة السلبية، وانخفاض التضخم، والتيسير النقدي، وقوة الدولار وتأثيرها على التصنيع والتجارة مع أوروبا والصين، وأشياء أخرى”.

في المقابل، قال الفيدرالي إن تصريحات جيروم باول خلال لقائه مع الرئيس ترمب تتسق مع تصريحاته الأسبوع الماضي – عندما كان يدلي بشهادته أمام الكونغرس – وأعرب باول عن تفاؤله بأن تساعد سياسة الفيدرالي الأميركي وخفض سعر الفائدة خلال 2019 الاقتصاد الأميركي في مواجهة تباطؤ النمو وتأثيرات الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.

العلاقة بين الفيدرالي والرئيس الأميركي ليست جيدة، حيث لا يزال ترمب يرى أن الفيدرالي لا يقوم بالدور المناسب لمساعدة السياسات الأميركية بشأن التجارة تحديدا، ويشتكي مراراً من قوة الدولار الأميركي، ووصف في مرات سابقة الفيدرالي بأنه “عدو أميركا”.

هل يذهب الفيدرالي الأميركي بسعر الفائدة إلى دون الصفر؟

على الرغم من تكرار الفيدرالي القول بأنه فعل ما يكفي لحماية الاقتصاد والمحافظة عليه، تظلّ الأنظار موجهة نحو مدى تأثر سياسات الفيدرالي بعوامل داخلية (ضغوط ترمب وتأثيرات الحرب التجارية)، وضغوط خارجية (تباطؤ النمو وانتشار تبني الفائدة السلبية). هذه العوامل ربما تدفعه للذهاب بالفائدة على المدى القصير دون مستوى الصفر (0.0%)، ويتراوح المستوى الحالي لسعر الفائدة الأميركية بين <%1.50-%1.75>.

ومستقبل خفض سعر الفائدة سيعتمد على تطورات الاقتصاد العالمي وقدرته على التعافي من تباطؤ النمو وتحمل تأثيرات الحرب التجارية.

الفائدة السلبية نوقشت سابقا، حيث قدّم الفيدرالي الأميركي بسان فرانسيسكو ورقة عن الفائدة السلبية وتأثيرها على الاقتصاد، نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتفيد بأن الفائدة السلبية أداة يمكن تطبيقها وستساعد على تحفيز الاقتصاد مع استمرار تبني الفائدة السلبية من قبل الاقتصادات الأخرى والضغط المستمر من الرئيس ترمب الذي يطالب بمزيد من تخفيض سعر الفائدة.

ويبقى انخفاض أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى ما دون الصفر أمراً ليس مستبعدا قد لا يتحقق في القريب العاجل، في ظل خفض الفيدرالي سعر الفائدة واستمرار التوترات الجيوسياسية وعدم نهاية الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، والتي ربما تتحول إلى حرب باردة جديدة تستمر لسنوات في ظل تعقد الملفات موضوع الخلاف (الملكية الفكرية، وفتح الأسواق الصينية لمنتجات الخدمات المالية الأميركية، واستمرار دعم الحكومة الصينية لشركات القطاع الخاص). هذه القضايا من المتوقع أن تظل عقبة أمام طيّ هذا الصراع التجاري الذي يقترب من الـ20 شهراً.

ووفقا لهذه القراءة ستستمر التداعيات السلبية لهذه الحرب التجارية على نمو الاقتصاد، مما يتطلب من الفيدرالي أن يستمر في التحفيز بالخفض المستمر لسعر الفائدة في المستقبل، مما قد يؤدي إلى الوصول إلى الفائدة السلبية، على الرغم من نفي جيروم باول أمام الكونغرس حاجة الاقتصاد الأميركي الآن للفائدة السلبية مع قوة سوق العمل واستمرار النمو، كما أن تخفيض سعر الفائدة ثلاث مرات هذا العام حقّق أهدافه وبات ملموسا في قوة مبيعات التجزئة وإنفاق المستهلكين.

وتظل الأسواق تتحسب الضغوط المستمرة التي يمارسها البيت الأبيض على الفيدرالي الأميركي ليذهب نحو الفائدة السلبية، عبر الانتقاد المستمر لترمب الذي يقول إن وتيرة خفض الفائدة بطيئة وبمعدل ضعيف.

ومن المنتظر أن ينشر الفيدرالي الأميركي محضر اجتماعه السابق الذي قرر فيه خفض سعر الفائدة بـ25 نقطة أساس للمرة الثالثة خلال هذا العام، وسيعتمد تفاعل الأسواق مع هذا المحضر على نقاشات أعضاء الفيدرالي ومبررات خفض الفائدة، ونتطلع لمعرفة هل ناقش وتيرة الخفض مستقبلاً لتحديد مسار الفيدرالي بشأن السياسة النقدية على المدى المتوسط.